العراق: حرية التعبير على الانترنت.. خطوات سريعة الى الوراء
 

 
 30ديسمبر  2016

  منذ عام 1925 ، وهو تاريخ أول دستور عراقي ، ورد التأكيد على حق المواطن العراقي في حرية التعبير عن الراي ، إذ اشار هذا الدستور في الباب الاول المسمى حقوق الشعب في مادته الثانية عشر: أن "للعراقيين حرية ابداء الرأي، والنشر، والاجتماع، وتأليف الجمعيات والانضمام اليها ضمن حدود القانون".

 وقد ذكرت  الدساتير العراقية هذه الحرية بدرجات ونصوص متفاوتة والتي غالباً ما تكون ضعيفة ومقّيدة (بقانون ينظمها) أو بمجموعة من الاوامر الإدارية والتعليمات التي تحد من جدية تفعيلها ،  الى أن تم إقرار الدستور العراقي الحالي  عام 2005  ، إذ تضمّنت المادة الثامنة والثلاثون  منه و المندرجة تحت فصل الحريات ،حرية التعبير عن الرأي "بكل الوسائل" وحرية الطباعة والنشر والإعلام وغيرها ¹، وقد اُعتبر هذا الأمر خطوة واعدة الى الامام في سبيل تعزيز حرية التعبير عن الرأي كمقوم أساسي من مقومات حقوق الانسان.

 ولكن هذه الخطوة وإن أجازت حرية التعبير- إلا أنها لم تتكفل برسم خطوط واضحة لطرق حماية هذا الحق الدستوري و ما يترتب على خرقه، مما خلق تناقضاً صارخاً بين النصوص الدستورية وطرق تطبيقها على أرض الواقع.

هذا الامر القى بظلاله على الممارسات الفعلية للمؤسسات الحكومية حيث أصدر قسم الموارد البشرية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي ، نشرة تعميمية لكافة الدوائر التابعة للأمانة ، يشير الى النشر على الصفحات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي لموظفي الأمانة ، ويأمر ذوي الشأن بإشعارهم عن منع نشر مواضيع مخالفة لـ"السلوك الوظيفي" أو التي "تمس" و"تسئ" الى الحكومة العراقية أو أحد رموزها. ²

كما حذر الكتاب من العقوبات المترتبة على مخالفة هذا القرار مستنداً الى قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام المرقم (14) لسنة 1991 والمعدل عام 2008.³ لم يحدد التعميم المنشور ما هو نوع المخالفة و الحدود العامة "للسلوك الوظيفي" وماه و نوع المساس أو الإساءة للحكومة العراقية مما يجعل هذه التعابير الفضفاضة سوط يمكن تسليطه على الكتاب والمدونين حسب الاجتهادات الشخصية و يمكن تفصيلها حسب رغبات وتوّجهات مصدري العقوبات.

الجدير بالذكر انه عند مراجعة قانون انضباط موظفي الدولة المشار اليه في الكتاب أعلاه ، يتضح خلوه من أي فقرة تنص على معاقبة الموظف في حال عبّر عن رايه الشخصي بالدولة أو رموزها خلال اوقات الدوام الرسمي ، خصوصاً إن كان تعبيره على صفحته الشخصية، فضلاً على ان تعبيره من خلالها سيكون  شأنه شأن  الكلام مع مجموعة من أصدقائه بعد الدوام الرسمي! يعتبر هذا القانون خطوة في طريق شّل الحريات الشخصية ومبادرة لـ"تقنيين" التعدي عليها بإصدار قوانين تدعم وتبرر التعديات بل  وتشرعها قانونياً ! متجاهلة تماما الحقوق والحريات الدستورية.

فلن نستغرب من الآن وصاعدا، إصدار أشد العقوبات الوظيفية  بحق من يسلط الضوء على مشكلة  أو فساد إداري او يستثمر صفحته الشخصية  لتوجيه الرأي العام للتصدي لها ، وذلك بحجة المخالفة للسلوك الوظيفي أو الاساءة والمساس برموز الدولة.

وهو ما حدث فعلا لزميل لي قبل خمس سنوات  – حتى مع غياب قوانين كهذه آنذاك - إذ  عوقب بعقوبة "لفت النظر" وهي عقوبة تحرم الطبيب من الدراسات العليا ، كونه استخدم حقة الدستوري في تسليط الضوء عن الواقع الخدمي الغير مهني للمستشفى التي يعمل بها  على صفحته الشخصية.

حُررت له العقوبة بعد 5 ساعات فقط من نشره على صفحته  ،  لكنه دافع عن حقه الدستوري ذاكرا البنود التي تدعم ادعائه وبالفعل اُلغيت العقوبة ، كونها كانت مخالفة لحرية التعبير عن الرأي التي تكفلها الدستور.

لكن ما حدث لزميلة أخرى كان مختلفاً، فقد تعرضت إحدى زميلاتي في العمل لعقوبة ، كونها نشرت صورة لها على حسابها الشخصي على الفيس بوك ، وهي تطالع جريدة أثناء الدوام ،  لأن الردهة التي تعمل بها كانت  خالية من المرضى حينها وقد نشرت الصورة معربة عن فرحها لهذا الحدث الذي قلما يتكرر ومتباهية أمام اصدقائها في موقع التواصل الاجتماعي بكيفية استثمارها التام لوقتها، لم تكتمل تلك الفرحة ، بعد أن علّق  مدير المستشفى على تحديث حالتها متوعداً إياها بتحرير عقوبة فورية لتخاذلها عن أداء واجبها !

وبالفعل صدرت بحقها العقوبة تاركة أثراً سلبياً في سجل تاريخها الوظيفي ، وعاكسة  الجهل الكبير للمسؤولين والجهات العليا  بتمرير العقوبات  دون الخضوع لتدقيق قانوني ، إضافة الى الجهل النسبي للمواطن العراقي فيما يخص حقوقه الدستورية و  كيفية الحصول عن حقه والدفاع عنه.

كانت هذه أمثلة لإصدار العقوبات دون الرجوع الى قانون يدعمها والتي تتعارض بوضوح مع  المادة 19 ثانيا من الدستور العراقي والتي تنص على الآتي:

" لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص .ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة, ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة "ولكن هل سنشهد في الايام القادمة عقوبات تدعمها القوانين ؟ وهل سنُعاقب مستقبلا كوننا مارسنا حقنا في التعبير عن الرأي؟
 
د.نورس

_________________________________________________
1 . http://www.iraqinationality.gov.iq/attach/constitution_ar.pdf
2. صورة للكتاب الرسمي  - أسفل
3.  http://uobasrah.edu.iq/wp-content/uploads/2016/06/R2.pdf