حرية التعبير وخطاب الكراهية

 
21 أكتوبر 2016


يتمحور النقاش العام في الأردن هذه الأيام حول مفاهيم إشكالية عديدة أصبحت تشكل ظاهرة كبيرة ومؤثرة في الفضاء الإلكتروني وخاصة ما يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي، من هذه المفاهيم: حرية التعبير وخطاب الكراهية، حيث تتصدر المشهد محاولات هنا وهناك لبعض النشطاء ومؤسسات المجتمع المدني للتصدي لخطاب الكراهية[1] ووضع استراتيجيات تعليمية وتثقيفية على المستوى الوطني للحد من هذا الانتشار الذي أصبح يهدد السلم الأهلي في الأردن، بالإضافة إلى ضرورة سن قوانين تجرم ما يحدث في الإعلام الرقمي من ترويجات لمثل هذه الأفكار التي تعبر عن خطاب الكراهية جنبا إلى جنب للقوانين الموجودة أصلا كقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية[2] والذي تشرف على تطبيقه وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام. ولكن مع كل هذه النقاشات الحادة والجو المتوتر على مستوى الإقليم تنبغي الإجابة على تساؤلات حقوقية حول مدى استخدام هذه القوانين للحد من حرية الرأي والتعبير، وهل هناك سقوف لحرية الرأي والتعبير؟ وأين يمكن أن يتحجج البعض بحرية الرأي والتعبير لنشر خطاب الكراهية بين فئات المجتمع المختلفة.

يتأثر المجتمع الأردني كسائر المجتمعات بالفضاء الإلكتروني وبشكل خاص ما بات يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها أثرا كبيرا في التحولات السياسسية العربية بعد العام 2011[3] حيث احتدمت الخلافات بين النشطاء حول العديد من القضايا والملفات مما أدى إلى تتباينات عميقة كان من نتائجها تخوين الآخر وعدم احترام الآراء المخالفة، وفي الأردن ادت هذه التباينات إلى نتائج كارثية مثل اغتيال الكاتب ناهض حتر أمام قصر العدل على خلفية منشور له على الفيس بوك اعتبر مسيئا للذات الإلهية[4]، مما أيقظ المجتمع والدولة على ضرورة التوقف عند هذه الحادثة الخطيرة والعمل على مواجهة خطاب الكراهية والحد منه على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل تعدتها إلى مزيد من الترويج للقتل بناءا على مواقف فكرية محددة وهذا ما واجهه بعض الخبراء التربويين من تهديدات صريحة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مواقفهم من قضية تعديل المناهج التربوية في الأردن والتي تم حذف بعض الآيات القرآنية من مناهج اللغة العربية واستبدال القراءة بالحفظ في بعض المواطن[5].

 يبدو أن القوانين الحالية مثل قانون الإرهاب وقانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية بحاجة إلى تعديلات، بل والعمل على إنشاء مسودة قانون جديد يجرم خطاب الكراهية ويعاقب من يروجونه، مع العلم أن الحكومة بدأت فعلا بتحريك بعض قضايا الحق العام ضد كل من يسيء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو يروج لخطاب الكراهية عبرها[6]،

و بالعودة لقانون الجرائم الإلكترونية تنص المادة العاشرة على " أن كل من استخدم نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية أو أنشأ موقعا إلكترونيا لتسهيل القيام بأعمال إرهابية أو دعم لجماعة أو تنظيم أو جمعية تقوم بأعمال إرهابية أو الترويج لاتباع أفكارها، أو تمويلها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة"، فإذا اعتبرنا أن التحريض على القتل وبث خطاب الكراهية هي مساهمة بعمل إرهابي فإنه يمكن تحريك دعاوى قضائية ضد كل من يروج لهذه الأعمال، وتنص المادة الثالثة عشر من نفس القانون على "أنه يعاقب كل من قام عمدا قصدا بالاشتراك أو التدخل أو التحريض على ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بالعقوبة المحددة فيه لمرتكبيها"[7].

لا بد أن هذه القوانين مهمة وقد تحد من الانتهاكات والتهديدات ولكنها بحاجة كما أشرنا سابقا إلى تحديث لمواكبة التغيرات المتسارعة وخصوصا على مستوى الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، إذ أصبح لزاما تشريع قانون جديد محدد بمواجهة خطاب الكراهية ليس فقط على المستوى الألكتروني ولكن على المستوى العام أيضا، ولكن لا يجب أن يكون هذا القانون مدخلا أو ذريعة للحد من حرية الرأي والتعبير على مواقع التواصل فالحق بالتعبير يجب أن يكون مصانا وفقا للمواثيق والقوانين الدولية ولا يختلف مع هذه المواثيق التي تضمن عدم نشر خطاب الكراهية تحت ذريعة الرأي والتعبير.

والمسؤولية لا تقع فقط على كاهل الدولة والأجهزة التشريعية والتنفيذية بل تتضمن أيضا مؤسسات المحتمع المدني والفئات الاجتماعية الأخرى كالمضافات العشائرية والتجمعات الاجتماعية الأخرى في المناسبات العامة حيث يبدأ خطاب التوعية والتثقيف من المستوى المحلي والعمل على تضمين مواضيع الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي ضمن المناهج الدراسية لتعليم الطلاب على ثقافة احترام الرأي الآخر والتسامح والعدالة.



وائل الخطيب