حيادية الإنترنت: حتى لاتكون آخر أيام الإنترنت المفتوح

 

إذا كنت مواطناً لأحد الدول العربية وتقوم بتصفح الإنترنت الآن، فغالباً لا تفكر كثيراً عندما تنقر إحدى الوصلات مثل هذه وصلة  - سوى إن كانت الصفحة ستُعرض بسرعة  ملائمة أم ستأخذ وقتاً طويلاً حتى تعرض كل محتوياتها، أو إذا كنت مثلي تتابع بعض المواقع المحجوبة في بلدك ستتساءل إن كانت الوصلة ستنتهي بصفحة بيضاء تحرمك من متابعة ما تريد، أم إنك ستصل بسلام – دون حجب أو رقابة – إلى ما فيها. في كل الأحوال، لن يجول في بالك أنه قد لا يمكنك مطالعة ما تفضي إليه الوصلة بسبب أن هذا الموقع أو ذاك يحتاج لإشتراك شهري خاص – تدفعه إلى مقدم خدمة الإنترنت في بلدك - حتى يتسنى لك متابعة هذا الموقع تحديداً.

قد يكون هذا أبسط تعريف لحيادية الإنترنت: أن تتجول خلال الإنترنت كما تريد دون أن تواجه معوقات تحد من قدرتك على استخدام الإنترنت كيفما شئت.

هل أعجبتك الوصلة السابقة؟  ماذا إذا قررت الحكومات أن مثل تلك المواقع غير مفيدة وعلى من يريد استخدامها أن يدفع أكثر لقاء استهلاكه الإنترنت؟ أو إذا سمحت لمقدمي الخدمة أن يقوموا بتسعير باقات مختلفة للمواقع  بحيث يمكن لمشتركي هذه الباقة أو تلك من متابعة مجموعة من المواقع دون غيرها، وإذا أردت متابعة مواقع لا تشملها باقتك فعليك الإشتراك في الباقة الجديدة؟ يعد هذا أحد الإتجاهات التي يسعى إليها مقدمي الخدمة ISPs من أجل الإلتفاف على مبدأ حيادية الإنترنت: ففي الولايات المتحدة يريد بعض مقدمي الخدمة أن يقوموا بوضع تسعيرة مختلفة لمواقع الفيديو لأنها – من وجهة نظرهم – تستخدم سعات أكبر من الإنترنت، وفي الدول العربية يضجر مقدمي الخدمة بمواقع وتطبيقات التواصل لأنها تحرمهم من عوائد الإتصال التليفوني التقليدي، ما يدفعهم للضغط من أجل تقنين حجبها – كما في مصر و المغرب و بعض دول الخليج العربي – أو من أجل تسعير استخدامها – فلا تعود مجانية – مثل الجدل الدائر حالياً بالأردن.

"يتم تعريف حيادية الإنترنت بوصفها التعامل مع كل البيانات عبر الشبكة بطريقة متساوية دون النظر إلى نوعها أو مصدرها"

لا تأتي جميع المخاطر على حيادية الإنترنت من مقدمي الخدمة، بل إن بعض الشركات المالكة لمواقع إنترنت ضخمة على استعداد أن تقوم بالدفع نيابة عنك في  مقابل أن يصبح لمحتواها أولوية على الشبكة، يبرز ذلك في مبادرة "فيسبوك.صفر"؛ حيث قام الفيسبوك بعقد شراكات مع بعض مقدمي خدمة الإنترنت عبر المحمول حيث يسمح لعملائهم  -فقط – بتصفح نسخة نصية من موقع الفيسبوك مجاناً دون الحاجة لاشتراك شهري في خدمة الانترنت: وبهذا تقتصر قدرة هؤلاء العملاء على تصفح الفيسبوك دون غيره من المواقع، هل سيجعل هذا من فيسبوك هو الانترنت لمستخدمي تلك المبادرة؟ قامت الهند بوقف مبادرة فيسبوك على أرضها حتى دراسة وتقييم آثارها على المستوى الإجتماعي والإقتصادي والتنموي، بينما قامت الحكومة المصرية بوقف المبادرة –دون إيضاح من جانبها - من أجل مما يعتقد أنه أسباب تتعلق بالمنافسة الإقتصادية بين مقدمي الخدمة، حيث إقتصر إشراك الفيسبوك لأحد شركات الإتصالات دون غيرها في تلك المبادرة.








إذا قمت بالدخول على فيسبوك.صفر من أحد مقدمي الخدمة غير المشتركين في المبادرة ستظهر لك تلك الرسالة

مثال آخر على اتجاهات انتهاك حيادية الإنترنت يتمثل في المعركة حول حيادية الإنترنت في الولايات المتحدة خلال عامي 2014 و2015 حيث أبدت اللجنة الفيدرالية للإتصالات (المنظم الوطني لقطاع الإتصالات) نيتها إعتماد سياسة الحارات السريعة (Speed Lanes) حيث يسمح لمقدمي الخدمة بالتعاقد مع المواقع الراغبة في دفع مبالغ نظير نقل محتواها عبر سرعات أكبر من تلك المتوفرة لباقي المحتوى، ما يجعل أي مواقع أخرى تقع في الحارات البطيئة (Slow Lanes): إنتهاك آخر يقسم الإنترنت ويضع أفضلية لمحتوى بعينه على حساب باقي أنواع المحتوى. ونظراً للضغط الهائل من المستخدمين، والشركات، ومواقع الإنترنت ذاتها تخلت اللجنة الفيدرالية عن سياسة الحارات وأقرت سياسة حماية وتدعيم الإنترنت المفتوح بدلاً منها.
 
  في العاشر من سبتمبر 2014، قام أكثر من 75 موقع أمريكي – وبعضهم من كبار المواقع كووردبرس، ويكيبيديا، ونتفليكس - بوضع شارات مماثلة للإعتراض على سياسة الحارات السريعة، وشاركهم ملايين المستخدمين في الإحتجاج، للمزيد عن هذا اليوم إضغط هنا، كما تعرض ويكيبيديا ملخص جيد عن معركة حيادية الإنترنت في الولايات المتحدة هنا.


لماذا الهجوم على حيادية الإنترنت، ولماذا يجب أن ندافع عنها؟

مبدأ حيادية الإنترنت يشكل حاجزاً أمام إعادة تشكيل بنية الشبكة وفقاً لمصالح الشركات والحكومات. إن كان للإنترنت من أثر ملحوظ فهو قدرته على جعل تواصل الأفراد ممكناً دون أن يكونوا مجبورين على العبور عبر القنوات التقليدية والتي تصاغ عبر مرشحات اللغة والإنتماءات العرقية والسياسية؛ وما إلى ذلك من أطر سلطوية استطاعت دوماً تقييد التواصل الحر بين الأفراد: فمع ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر، أجبرت النظم الحاكمة أصحاب المطابع على تسجيلها لتكون تحت مراقبة الدولة، وقامت أغلب الدول حينها بوضع قيود على تداول المطبوعات القادمة من خارج حدودها ومازالت بعض الدول مستمرة إلى يومنا هذا في تسجيل المطابع ومراقبة المطبوعات الواردة من خارجها.

ومنذ نشأة الراديو والتليفزيون إحتكرت الدولة إنشاء القنوات؛ ومع تحرير البث من سيطرة الدولة جعلت المحددات الإقتصادية والسياسية من إنشاء قنوات الراديو والتليفزيون حكراُ على القلة بما يجعلها في النهاية واجهة ومنبر لفئات مجتمعية محددة - وحده الإنترنت استطاع تجاوز تلك الأطر ليُمكن الأفراد من تواصل حر وتدفق غير محدود للأفكار والمعلومات.

تجاوز الإنترنت البنى السلطوية القديمة، ولكن ككل ظاهرة جديدة سرعان ما يبرز من داخلها وفي سياقها من يحاول كبح جماحها وترويضها على مقدار إهتماماته وبما يخلق لديه قيمة مضافة لا تتوافر لغيره: فمواقع المحتوى الرائدة تسعى لترسيخ ميزة نسبية تمكنها من بلوغ وضع إقتصادي شبه إحتكاري، ويحاول مقدمو الخدمة تعظيم استفادتهم الإقتصادية بغض النظر عن الأثر الإجتماعي لذلك، أما الحكومات فبحسب توازناتها الإقتصاد-سياسية وتوجهاتها الإجتماعية لا تمانع أحياناً من تمرير ما من شأنه إرضاء اللاعبين الإقتصاديين الكبار.

نحن في مراحل الإنترنت الأولى، فهو ظاهرة متعددة المستويات وذات أنماط تأثير مختلفة مازالت قيد التشكل والإدراك: يبلغ سكان العالم الآن حوالي 7.4 مليار إنسان، ولم يتجاوز مستخدمو الإنترنت في بدايات القرن الحالي 500 مليون شخص،و مازال أكثر من نصف سكان العالم غير متصلين بالإنترنت في حين لا يتجاوز مستخدمو الفيسبوك النشطين الـ900 مليون. بدأ الإنترنت عبر كابلات الفايبر في الإنتشار خلال الخمس سنوات الأخيرة، ومازالت تقنيات إنترنت الأشياء في بداياتها الأولى. شهد الإقتصاد والتجارة عبر الإنترنت قفزات كبرى في العقد الأخير، ولم يتبين بعد الأثر الإجتماعي للإنترنت في نشر الديمقراطية وتمكين المواطنين.

ينتظر من الطابعة ثلاثية الأبعاد أن تغير مفاهيم رأس المال والتصنيع، ودفع  الإنترنت كبريات الصحف على تقليص نسخها الورقية. يبدو أنه من الحماقة أن يترك لجهات منفردة القدرة على تكبيل الإنترنت – والظواهر الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المصاحبة له - على قدر مصالحها، سوف يبدو ذلك كمن يريد من الرجل الأخضر – ذو القدرات الجبارة -  استخدام قوته فقط في تكسير الجوز.

 

 
بلغ مستخدمي الإنترنت 3.4 مليار شخص حتى يونيو 2015، حوالي 46% من
سكان العالم  

 
المصدرمن مع حيادية الإنترنت، ومن ضدها؟
 
 
يصعب تصنيف الجهات الفاعلة في حوكمة الإنترنت بثنائية مع/ضد : كان فيسبوك ضد سياسة الحارات السريعة التي أرادت اللجنة الفيدرالية للإتصالات إقراراها، ولكنه بمبادرة "فيسبوك.صفر" يضرب حيادية الإنترنت في مقتل. مقدمي الخدمة يعانون من إلتهام مواقع التواصل الإجتماعي والفيديو لسعات الشبكة، ولكن لا يمانعون من إبرام صفقات مع تلك المواقع نظير مكاسب أكبر، والحكومات والمنظمين الوطنيين للإتصالات يختلف توجهاتهم بإختلاف التمثيل السياسي العام.  لا يوجد معادلة سحرية تحمي حيادية الإنترنت، وإن كنت تبحث عن الحل ففي طبيعة الإنترنت الجواب: الإنترنت يسعى لتوصيل الكل – فلتكن السياسات المشكلة له صادرة عن مجموعات متعددة المصالح والمرجعيات. يتجاوز الإنترنت القيود ويساوي بين البشر- إذاً أي قيود تفرض أو مزايا نسبية تمنح هي وبالاً على الشبكة وإن إدعت العكس.
 
هناك إتجاه متصاعد حالياً لكسر حيادية الإنترنت، ونظراً لطبيعة الإنترنت المتنوعة والمتعددة، فكلما أراد طرف وضع قاعدة يمكنه بها أن يخل بحيادية الإنترنت لصالحه، شكل هذا إنتقاصاً من حقوق أطراف أخرى تعتبرها بديهية. لن تنتهي المعركة على تعزيز حيادية الإنترنت قريباً، ولكن تعلمنا الدروس المستفادة أنه كلما تداخل المستخدمون وأصحاب المصلحة المتعددين في تشكيل سياسات الإنترنت، بالطرح أو الرفض أو حتى الإحتجاج، ضمن ذلك مساحة جديدة لحيادية الإنترنت.
 
تعاني أغلب الدول العربية من عدم إستقلالية الهيئات المنظمة للإتصالات عن التأثير ذو الطبيعة السياسية والإقتصادية، ناهيك عن غياب رؤية متكاملة لمستقبل الإنترنت في دولها وعدم الإهتمام بالمشاركة الشعبية في صنع القرار، كما تعاني أسواق الإتصالات العربية من إختلال هيكلي في المنافسة وتزاوج السلطة السياسية بالقدرات الإقتصادية في قطاع الإتصالات. ربما يكون السعي إلى تشكيل هيئات تنظيمية مستقلة تسمح بالمدخلات العامة على رأس أولوياتنا من أجل إنترنت حر ومفتوح في دولنا، وحتى يحدث هذا، أثبتت الممارسة القدرة النسبية للإحتجاج المجتمعي– كما في تجربة ثورة الإنترنت في مصر – على تلجيم السياسات غير العادلة في تنظيم الإنترنت.

 
محمود البنهاوي:  مدير​ ببرنامج استقلاية الإعلام