قانون الانترنت في مصر
 نهاية عصر حرية لم يبدأ

 
 
يبدو أن أمواج الحريات التي بدأت منذ خمس سنوات، ستتوقف أو تنتهي تماما،  فقد بدأت الحكومة المصرية  في كتابة كلمة الختام في صفحة من أنصع صفحات الحريات والتعبير عن الرأي من خلال حزمة قانونية جديدة صدرت في شهر مايو الماضي، أصبحت تهدد تماما وبشكل مباشر  كل ما يمكن أن يطلق عليه حرية تعبير على الإنترنت، المتنفس الأخير للكتاب والمثقفين والناشطين المصريين والعرب.

 لم يعد التساؤل عن ماذا يعنى أن نتحدث عن قانون ما أو تشريع يصدر الآن في ظل غياب البرلمان المنوط به إصدار التشريعات والقوانين، فالأمر لم يعد مهما الآن، فالقانون صدر في غيبة ممثلي الشعب  وتم إقراره، وأصبحنا أمام أمر واقع بل أمر صادم في ثناياه كثير من الخطورة على من كانوا يأملون في سياسات انترنت تتمتع بأي هامش من الحرية.

كانت  البداية مع دستور مصر الذي كان ولايزال هو الإطار العام الذي يقرر في عدة مواد  الحق التام والكامل للمواطنين بممارسة الحرية في التواصل و الاتصال والتعبير عن الرأي ويكفل بكل الضمانات الممكنة سرية مكالماتك واتصالاتك ويعطى كل مواطن هامش كبير وتام من الحرية.

فوفقا للمادة ٥٧ من الدستور، التي تنص على «للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك.

 ولكن صدور القانون من حكومة المهندس إبراهيم محلب إبريل الماضي التي تم التصديق عليه  من القيادة السياسية المصرية بعدها مباشرة وأصبح ساريا بالفعل منذ لحظة التصديق عليه  امتلأ بعشرات المواد المقيدة للحرية ويبدوا انه أطلق تماما من اجل هدف واحد وهو إحكام القبضة على السويشال ميديا  أو مواقع التواصل الاجتماعي.

جاء في مقدمة القانون التعاريف والمفاهيم التي نص عليها القانون، حيث يقصد بتقنية المعلومات أي وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين، وتطوير، وتبادل المعلومات أو البيانات.

 كما تضمن القانون مواد صريحة تلزم مزودي الخدمات باتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التقنية اللازمة نحو حفظ وتخزين محتوى النظام المعلوماتى أو أي وسيلة لتقنية المعلومات وكذا حفظ وتخزين بيانات خطر سير حركة رسائل البيانات وذلك لمدة تسعين يوماً وهو ما جعل شركة الانترنت تسجل مكان المستخدم  ومكان الشخص الذي يرسل له رسائل أو صور أو مواد فيديو  وتحتفظ بها لمدة لا تقل عن ثلاث شهور كاملة أو أكثر لتقديمها للجهات الرقابية في حالة طلب منها ذلك وهو ما يجعل المستخدم مسلوب الحق تماما فى الخصوصية

وأيضا  هناك  صلاحيات منحها القانون لهيئة تنظيم الاتصالات في مصر بالقدرة على إغلاق أي موقع يتهم باختراق الأمن القومي أو تهديد السلام الاجتماعي أو السلام الوطني وهو ما يجعل العبارات هلامية قد يندرج تحتها أي موقع إخباري أو حواري أو حتى موقع يحتوى على مقاطع فيديو مضافة من موقع اليوتيوب مثلا ويغلق الموقع بالأمر الشفوي بدون إذن مكتوب وذلك خلال 24 ساعة فقط ولحين البت في الأمر.

وينص القانون على " جهات التحري والضبط المختصة، إذا ما رصدت قيام مواقع تبث من داخل الجمهورية، أو خارجها، بوضع أية عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام، أو أية مواد دعائية، أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي، أن تعرض محضراً بذلك على جهات التحقيق وتطلب الإذن بحجب المواقع أو المواقع محل البث، أو حجب بعض روابطها، وتقوم جهة التحقيق بعرض طلب الإذن على محكمة الجنايات، منعقدة في غرفة مشورة خلال أربع وعشرين ساعة مشفوعاً بمذكرة برأيها، وتصدر محكمة الجنايات قرارها في الطلب، في ذات يوم عرضه عليها، إما بالقبول أو الرفض"..المفاجأة هو تغليظ عقوبة الشركة التي لا تحجب المواقع بعقوبة تصل لمليون جنيه مصري وقد يتم إيقاف رخصة مزاولة النشاط لمدة تصل إلى 3 سنوات.

 ويثار تخوفات عديدة من المتابعين لشان تقنين سياسات الانترنت ما إذا كان القانون الجديد بحزمة الإجراءات القاسية قد يؤثر بشكل كبير على الحق الانسانى المنصوص عليه في المعاهدات الدولية بحرية تداول المعلومات؟ ومن الجدير بالذكر إن وثيقة الدستور المصري ذاتها نصت بالحق في الحصول على المعلومات وتنص المادة 68 من الدستور" المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها ".

الفصل الجديد من المسلسل المستمر في  التضييق على سياسيات حرية الانترنت اكتمل بعد أن تسرب الأسبوع الماضي مسودة قانون مكافحة الإرهاب الذي ينص على عقوبات لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أنفسهم تصل إلى  الحبس لمدة 3 سنوات وغرامة مالية إذا ما ثبت  نشرهم لأخبار كاذبة أو إشاعات تضر بالأمن العام،  ولاقت هذه الفقرة اعتراضات هائلة حتى الآن من نقابات الصحفيين المختلفة،  مما دفع الحكومة بسحب المسودة مرة أخرى لمراجعتها والتعديل في الدباجات المقترحة قبل عرضها للإقرار الرسمي من رئيس الجمهورية.

 الملف الأكثر إثارة في الآونة الأخيرة هو  التفاصيل التي نشرتها مجموعة قراصنة انترنت قاموا باختراق قواعد بيانات الشركة الايطالية التي تعمل في مجال امن المعلومات  وتضمن التفاصيل عقود التعاون بين الحكومة المصرية والشركة في شراء برامج مراقبة المستخدمين المصريين فيما عرف إعلاميا  بمشروع "القبضة الالكترونية "،  حيث حصلت الجهات المصرية على برنامج ذو قدرات متعددة بمقابل 1.1 مليون يورو  تسلمتها الشركة الايطالية التي يقع مقرها في مدينة ميلانوا مقابل تشغيل البرنامج لمدة 6 سنوات من 2011 وحتى 2017  وقدرات برنامج (أر سـي أس ) تتضمن إمكانات تجاوز التشفير وإعدادات الأمن في البرامج، وتسجيل مكالمات سكايب، وحفظ سجلات البريد الإلكتروني وبرامج المحادثات، وجمع بيانات استخدام متصفح الويب، وأخذ لقطات مصورة باستخدام الكاميرا المدمجة في الحواسيب، وتسجيل مقاطع صوتية باستخدام الميكروفونات المدمجة في الحواسيب.

ولكن لاتزال هناك فرصة أخيرة أمام المؤمنين بحرية الانترنت متمثلة في المجلس التشريعي القادم الذي سيعقد بعد شهور، حيث يمكنه من خلال صلاحياته التصديق على هذه القوانين أو إلغائها تماما أو التعديل فيها وهو ما يعول عليه المتفائلين في إبقاء الإنترنت مفتوحة قليلا بهامش أكبر من الحرية.


محمد سامي: ناشط حقوقي مصري، يعمل كمدير وحدة الإعلام الالكتروني بمركز مبادرة للتسامح والديمقراطية وباحث سياسي بكلية العلوم السياسية جامعة الإسكندرية، و يهدف من خلال عمله السياسي إلى مكافحه الفساد والعمل على نشر ثقافة الشفافية وحرية تداول المعلومات.