قانون الميمات مجددًا  

 
 
قرر النظام الموريتاني خوض مرحلة جديدة من سياسيته الممنهجة لتكميم الأفواه وإرعاب المزعجين والمنتقدين لفساده، حيث صادق مجلس الوزراء الموريتاني يوم الخميس 20 أغسطس 2015 على مشروعي قانون يتعلق الأول منهما بالجريمة السيبرانية، والثاني بالمجتمع الموريتاني للمعلومات أي قانون "الميمات الثلاث" المثير للجدل، القانون سبق وأعلنت عنه الحكومة وحاولت الرئاسة الموريتانية تقديمه للبرلمان، في 2 إبريل / نيسان 2014 ، حيث قامت بدعوة البرلمان للانعقاد في دورة برلمانية طارئة من أجل مجموعة من مشاريع القوانين اقترحتها الحكومة، كان من بينها  القانون سيء السمعة.

لكن حملات المدونين والانتقادات والاحتجاجات التي رافقت إعلانه أربكت تلك المساعي، وفرضت النظام على عدم عرضه في تلك الفترة، لكنها كانت مجرد خطوة تكتيكية حتى تهدأ الأوضاع ويبدو أنه وجد أن الظرفية مناسبة الآن لتمريره.

لماذا القانون خطير؟

كنت قد كتبت أيام اعلان النظام عن القانون موضوعا. شرحت فيه خطورة القانون وقدمت فيه بعض مواده الكارثية والفضفاضة، وأقتبس الآن من ما كتبت سابقا:

 " تأتي المادة ١١ من مشروع قانون مجتمع المعلومات الموريتاني لتقول أن القانون جاء لتنظيم هذا الفضاء وفق الأخلاق من دون تحديد لها وهي مقدمة لسياسة التمييع.

وتلغى المادة ١٨ من القانون ما يخالفه، أي أن قصة عدم ملاحقة الصحفيين في قضايا النشر أصبحت في خبر كان، لأن هذا القانون يتضمن الحبس في قضايا النشر والتعبير عن الأفكار و القانون معنى حسب المادة ٢٧ ب : (الإذاعة والتلفزيون والسينما و الصحافة و الملصقات و المعارض و نشر المكتوبات أو الصور من كل نوع، والخطابات والأغاني والصيحات و التهديدات التي يطلقها في أماكن أو اجتماعات عمومية، وكل منظومة تقنية موجهة لبلوغ الجمهور، وعموما كل وسيلة اتصال بطريقة الكترونية خاصة الانترنت والهاتف)، وهو ما انتقدته رابطة الصحفيين الموريتانيين وكذلك نقابة الصحفيين .

وتأتي المادة ٢٨ من مشروع القانون المتعلق بالجرائم السيبرانية لتخبرنا أن أي شخص معرض للحبس من ٦أشهر إلى ٧ سنوات أو ب ٥٠٠٠٠٠ أوقية إلى ٥٠٠٠٠٠٠ أوقية،وذلك حين يخالف "الأخلاق الحسنة "وهو نزوع إلى الضبابية ،فمن يحدد تلك الأخلاق الحسنة ؟.

وعلى نفس المنوال تسير في خط التمييع المادة 2 التي تعرف البيانات العنصرية والمعادية للآخر بالأفكار والنظريات التي تطري أو تشجع الكراهية أو التمييز أو العنف.

وتؤكد لنا المادة ٢١ من مشروع قانون الجرائم السيبرانية أن الشتائم قد يعاقب صحابها بالحبس من ٦ أشهر إلى ٧ سنوات أو بغرامة من ١٠٠٠٠٠٠إلى ٦٠٠٠٠٠٠ و لاتحدد هذه المادة ماهية الشتائم؟

وتجعلنا نتساءل هل انتقاد النظام وعناصره يندرج في دائرة الشتائم ؟،و المضحك في الأمر أن الضرب والجرح العمدي ضد الأفراد معاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات طبقا للمادة 285 من القانون الجنائي الموريتاني، وحتى عقوبة السب في القانون الجديد أشد من عقوبة الاغتصاب في القانون الجنائي الموريتاني .

ويعاقب هذا القانون على الافتراء و السب وإفشاء الأسرار في المادة 21 بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة مالية تصل إلى ٦ ملايين ، بينما تنص المادة 349 من القانون الجنائي الموريتاني التقليدي على أن السب أو عبارات الإهانة التي ليس لها طابع مضاعف بسبب الخطورة والعلانية لايترتب عليها إلا عقوبات المخالفات البسيطة.

ويستمر القانون في ضبابيته في جانب الجرائم السيبرانية، حين يتحدث عن الدفاع العام والمساس به حيث تصل العقوبة فيه المؤبد من دون تحديد نوعية الضرر وتوضيح الدفاع العام وذلك في المادة ٢٩ .

القانون يشرع كذلك لتجسس النظام  على مستخدمى الشبكة وفرض وصايته على مزودي الخدمة و يجعلهم تحت رحمته ويجبرهم على إعطائه كل البيانات التي يريد،وهو ما يخالف ميثاق مبادئ وأساسيات حقوق الانسان على الشبكة الذي أصدره التحالف الدولى للحقوق والمبادئ على شبكة الانترنت والذي ينص على أن الخصوصية حق مقدس وأن مزودي الخدمة لا يجب أن يخضعوا لوصاية أي دولة أو أي جهة أخرى .ويحصر القانون تداول وسائل التشفير وأدواته على الجهات التي يرخص لها  وهو ما يقيد وصول الأفراد العاديين إلى أدوات الحماية على الشبكة التي تخول لهم تأمين بياناتهم الشخصية ومراسلاتهم وأنشطتهم على الشبكة.ويفرض أن تطلعه الهيئات المرخصة على طبيعة الاستخدام في محاولة لتقنين الأدوات التقنية التي تستخدم من أجل كسر الحجب وإخفاء الهوية و حماية الأفراد لمعلوماتهم عن طريق تشفيرها بطرق لا تتمكن الحكومة من فك تشفيرها ويسمح القانون للدولة أن تنتهك خصوصية المستخدمين بمجموعة من المبررات"..

سياق القانون المقلق

تأتي عودة النظام للقانون ومحاولة تمريره من جديد بعد بيان تافه ومستفز أصدرته  السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية في موريتانيا(الهابا)، انتقدت  فيه ما أطلقت عليه "النيل المتواصل من شرف رئيس الجمهورية"، وأكدت أنها ستحميه، كان ذلك نوع من رد الفعل عل ازدياد الحدة في نقد النظام وخروج ملفات حول استشراء الفساد في عهده.

غير بعيد عن القانون، كانت عملية اختراق شركة Hacking Team الإيطالية والوثائق المسربة على موقع “ويكليكس”، قد كشفت وجود نية عند النظام الموريتاني للسيطرة على الانترنت وكل وسائل الاتصال. حيث أظهرت محاولة النظام الموريتاني شراء رخص برامج للاختراق والتجسس عن طريق المستشار الفني للجنرال محمد ولد عبد العزيز. وتضمنت هذه الوثائق محادثة بين المستشار والمدير التجاري للشركة عماد شحادة. يتفاوض  فيها الأول مع الأخير من أجل شراء مجموعة من رخص برامج التجسس والمراقبة لكن الصفقة لم تتم بنجاح، فقد تراجع مستشار الجنرال محمد ولد عبد العزيز بعد الخلاف على المبلغ المطلوب، وكانت تقارير صحفية قد تحدثت عن وجود خلية في الرئاسة تتجسس عل المواطنين الموريتاني، وهو أمر ليس بالغريب على النظام الموريتاني، فرأسه قادم عل دبابة وسبق وسحق الدستور ولا يقلقه انتهاك خصوصية المواطنين المجرم انتهاكها حسب الدستور الموريتاني("تضمن الدولة شرف المواطن وحياته الخاصة وحرمة شخصه ومسكنه ومراسلاته "الفقرة 3 من المادة 13 من الدستور الموريتاني)والقانون أتى لكي يشرع التجسس كما وضحت سالفا. ويبقى السؤال الأهم،  هل سنترك الأمر يمر مرور الكرام أم أن المعركة مستمرة؟
 
 أحمد ولد جدو 
مدون وناشط موريتاني مساهم في موقعه الأصوات العالمية و رصيف 22 و السفير العربي، أفضل مدون عربي لسنة 2013